-
-
الشهادة حسب القديس اغناطيوس
الانطاكي
-
ان فكرة الاقتداء بالمسيح
دفعت القديس اغناطيوس الانطاكي, بكل حرارة, وبكل حماس, الى الشهادة.
-
فالشهادة هي قمة الاهتداء به.
انها البرهان القاطع على انه تلميذ المسيح الحقيقي . انها الانتقال من زوال
الارض الى مجد السماء. انها النشيد النهائي الذي يرفعه المسيحي لربه قبل
مغادرة هذه الدنيا : " لا اريد ان اراكم تبتغون رضى الناس , بل رضى الله .
وهذا قد حصلتم عليه. لن اجد ظرفاً كهذا لأذهب الى الله, ولن تجدوا انتم
عملاً يخلد اسمكم افضل من السكينة. إن سكوتكم عما يختص بي يجعل مني كلمة
الله. اما اذا احببتم جسدي كثيرا, فلن اكون الا صوتا عاديا. أسالكم واحدة:
ان تسمحوا لي ان اقدم لله اراقة دمي, ما دام المذبح معداً بعد. وبعدئذٍ
تجتمعون بالمحبة جوقاً واحداً, وتنشدون نشيدا لله الاب , لانه تنازل
واستقدم اسقف سوريا من المشرق الى المغرب. حسنٌ جدا ان انام بعيدا عن
العالم لأقوم لله " ( الى كنيسة روما, عدد 1:2 و2 ).
-
والشهادة في سبيل الله يجب
ان تكون بقلب منشرح, لان الموت يجعل من حنطتنا خبزا خاليا من كل عيب,
واضمحلال الجسد هو تلمذةٌ صادقة ليسوع المسيح: " انا اكتب لجميع الكنائس,
وللجميع اقول انني اموت في سبيل الله بقلب منشرح, اذا كنتم لا تمنعوني.
استحلفكم بان توفروا لي انعطافاً في غير اوانه. دعوني اصير طعاماً للوحوش,
فاني بواسطتها أصل الى الله. انا حنطة الله, تطحنني انياب الحيوانات لاصير
للمسيح خبزاً خالياً من كل عيب. لاطفوا بالاحرى هذه الحيوانات, حتى تكون
قبري, ولا تدع شيئا يبقى من جسدي, فلا اثقل على احد بدفني. وعندما يضمحل
جسدي أصير تلميذاً صادقاً ليسوع المسيح. اسألوا المسيح ان يتنازل ويجعل مني
ضحية لله بواسطة انياب الحيوانات. اني لا امركم كبطرس وبولس, هما كانا
رسولين, وانا محكوم علي. هما كانا حرين, وانا عبد. ولكن الموت يحررني بيسوع
المسيح الذي اقوم به حراً. اما الان فان قيودي تعلمني ألا ارغب شيئا " (
الى كنيسة روما, العدد 1:4 و 2 ).
-
كذلك نرى القديس اغناطيوس
يسعى الى الاستشهاد بفرح كبير وكأنه لا امتلاك للمسيح إلاّ به. إنّه يحاول
ان يغري الذين سيأكلونه ويجعلونه حنطة لله. انه يرفض كل مساعدة الا تلك
التي تقوده الى الموت للأنعتاق من قيود الجسد وللتحرر بالمسيح. وحتى
الحيوانات التي ستأكله, اذا رفضت, فانه سيغريها لكي تلتهمه, لان ذلك طريقه
النهائي الى السعادة والفرح الدائم مع الله. كما أنه يؤكد على قبول جميع
انواع العذابات, شرط ان يمتلك المسيح: " انني ابتدأت اصارع الوحوش براً
وبحراً, ليلاً ونهاراً, منذ غادرت سوريا الى روما, لأنني مقيّد بعشرة فهود!
اريد بهم الجنود الذين يخفرونني, فأنهم بقدر ما أنع معهم خيراً, يزدادون
شراً! ان معاملتهم لي السيئة هي مدرسة أتعلّم فيها كل يوم. "على انني لست
بهذا تبررت " ( الاولى الى الكورنثيين, 4:4 ).
-
متى اواجه الوحوش التي
تنتظرني؟ ليتها تنقضّ علي حالاً, وان اقتضى الحال اني اغريها حتى تفترسني
حالاً، ولا تعمل ما صنعته مع البعض, اذا خافت من مسّهم. وان عاندت (في
افتراسي) فاني ارغمها على ذلك. بالله عليكم, دعوني أصنع هذا, فاني عالم بما
هو أفضل لي. الآن ابتدأت ان أكون للمسيح تلميذاً صادقاً: عبثاً تحاول
خليقة، منظورة او غير منظورة، ان تبعدني عن امتلاك يسوع المسيح. فلتنزل في
اشدّ عذابات الشيطان: النار, الصليب, مصارعة الوحوش جسماً لجسم, تمزيق
الاعضاء وتقطيعها, خلع العظام, تشويه الاعضاء وسحق الجسد كله: شرط ان امتلك
يسوع المسيح " ( الى كنيسة روما 1:5 و 2 ).
-
ثم يتساءل القديس اغناطيوس
عن قيمة هذا العالم، بعيداً عن المسيح. ان ممالك الدنيا لاتفيد شيئاً، ولا
الارض حتى اقاصيها, تجاه الموت في سبيل المسيح, لذلك نراه يترجّى
الرومانيين ان لا يحولوا دون استشهاده ,طالباً منهم ان لا يمنعوه من ان
يولد للحياة في يسوع المسيح. ذلك ان النور الالهي الحقيقي يشدّه اليه,
والاقتداء بآلام إلهه هو وحده الذي يسعى إليه: " ماذا يفيدني امتلاك العالم
كلّه؟ وما لي مع ممالك هذا الكون؟ أشرف لي ان أموت للمسيح يسوع, من أن أملك
حتى اقاصي الارض. اني ابحث عنه: عن يسوع الذي مات لأجلنا, واياه وحده اريد,
لأنه قام لأجلنا. بالله عليكم, ايها الاخوة, اشفقوا عليَّ: لا تمنعوني أن
اولد للحياة, لا تطلبوا موتي. اريد ان اكون مُلكاً لله, فلا تسلموني للعالم
ولا الى غوايات المادة. دعوني اصل الى النور الصافي, فاني اصير اذ ذاك
رجلاً. اسمحوا لي ان اقتدي بآلام الهي. من كان الله في قلبه, يفهم رغباتي,
ويشفق علي, لانه ادرى بالضيق الذي يحزنن" (الى كنيسة روما, 6: 1 و2 ).
-
ويختم القديس اغناطيوس
رسالته الى كنيسة روما بالتأكيد على انّه لايريد بعد اليوم ان يحيا حياة
ارضيّة. انه يعتبر ان استشهاده هو امتحان لحبّهم له، فاذا ساعدوه على هذا
الاستشهاد يكون حبّهم له صادقاً، امّا اذا منعوه فذلك يعني أنهم
يبغضونه،لأنّ الموت في سبيل الله هو قمة الحب: " لاأريد ان أحيا بعد حياة
أرضية. وتحقيق أمنيتي هذه يتعلّق بحسن ارادتكم. عاملوني بها، حتى تجدوا
نظيرها في دوركم. ان هذه الكلمات تحمل إليكم صلاتي. فصدّقوني. ان يسوع
المسيح، الفم الكلي الصدق, الذي كلّمنا به الآب حقاً، هو يظهر امام أعينكم
صدق قلبي. صلّوا لأجلي. لم يملِ الجسد عليَّ هذه الرسالة، بل روح الله. إن
استشهادي هو امتحان حبكم لي. وعدم سماحكم لي به هو علامة بغضكم " ( الى
كنيسة روما، 1:8 و 2 ).
-
وباختصار، فان صوفية
القديس اغناطيوس الانطاكي هي صوفية اقتداء بالمسيح واستشهاد، بعكس صوفية
الرسول بولس التي هي صوفية مشاركة. فالاتحاد بالله، الذي هو قمّة الصوفية
واساسها، لايتّم، في نظر الانطاكي الشهيد، إلاّ بالاستشهاد والموت في سبيل
المسيح. فالشهيد هو التلميذ الحقيقي لمعلّمه الالهي، والاستشهاد هو الولادة
الجديدة، الولادة للحياة، في يسوع المسيح.
-
-
الخلاصة
-
اغناطيوس الانطاكي، القديس
الشهيد، الذي طبع الكنيسة بروحانيته الانطاكية المشرقية، يبقى لنا اليوم،
بعد المسيح ورسله، الصورة الحية، والمثال الصافي، للمسيحي الحقيقي، وللاسقف
الذي يعرف كيف يكون الأب والأخ والخادم لقطيعه. لقد احبَّ الآخرين فنبّههم
الى أخطائهم، محذّراً اياهم من العودة إليها، وهذا، في رأيه، منتهى الحب
الذي يهدي الى طريق المسيح. دعا مَنْ حَوله الى التقوى ومخافة الله برفقٍ
وعطفٍ، دون ان يمسَّ احداً منهم بكلمة جارحة. ألم يطلق على السيّد المسيح،
بكثير من الايثار والغبطة، اسم " الصليب "، وعهد إليه بمعالجة النفوس
الضعيفة؟ ولكم أثبت هو نفسه جدارته بهذه التسمية في حياته الرسولية التي
خدم من خلالها حياة الايمان، كما حمل ثقل البشارة، وتذوَّق متعتها في زمن
بدا التبشير بالمسيحيَّة مخاطرة كيرى، كما كان دائماً، حتى سنين قريبة،
أعادت إلينا أزمنة المذابح الجماعية التي يقابلها المسيحيون بالايمان
والعزم على إعادة بناء النفس والمعبد. ولعلَّ الانطاكي هو اوّل الصارخين
بعد بولس الرسول: " الويل لي إن لم أبشّر "، والويل لنا إن لم نصغِ الى
البشارة ونعمل بروحها. ومحبّته لرعيته دفعت هذه الرعية لمبادلته العاطفه،
ورأت فيه الاسقف الفاضل.