قصة الشهيد مار قرداخ
كان قرداخ ينحدر من
سلالة الملوك الآشوريين. فوالده من سلالة نمرود
الجبار، ووالدته من صلب سنحاريب الشهير.
ولد من أبوين وثنيين. وكان والده
كوشناوي رجلاً وجيهاً في المملكة وشهيراً بين المجوس.
وكان قرداخ جميل المنظر،
رشيق القد، قويِّ الجسم، ماهر في القتال وشديد التمسك بالديانة الوثنية.
وذاع
خبر بسالته في المملكة كلها وهو ما يزال في الخامسة والعشرين من عمره.
ولما بلغ هذا
الخبر مسامع شابور الملك،
استدعاه إليه وأكرمه، بعد أن شاهد ما يتحلى به من
الجمال والقوة. وأمره يوماً بأن يلعب في الميدان أمام جميع عظماء
المملكة
وأن
يرمي السهام على هدف صغير وضع فوق سارية عالية. وأتوه بقوس وبستة سهام
من مشجب
الملك. فرشق السهام وأصاب الهدف في الموضع نفسه.
ومدحه الملك على مهارته الخارقة. وفي اليوم الثاني، أمره الملك بأن
يأتي إلى الميدان
ويلعب بالكرة معه فنفذ الامر،
ونال استحسان الجميع وإعجابهم. وفي
اليوم الثالث، خرج الملك إلى الصيد بصحبة مائة من عظمائه وثلاثمائة
فارس.
فأمر
الملك قرداخ بالخروج معه راكباً حصاناً من خيول الملك، و عند
وصولهم إلى غابة أبصروا أمامهم أيلة تعدو مع
ولدها. فامرالملك قرداخ وقال: "ارفع قوسك وصوبه إلى الأيلة واقتلها
مع ابنها دفعة
واحدة.
وهتف الملك بأعلى صوته وقال: "عشت يا قرداخ، و بعد عودتهم من الصيد امر
الملك بمنح قرداخ هبات وافرة، ثم
أقامه وزيراً على آثور ومرزبانا يمتد حكمه نهر تور ماراً حتى مدينة
نصيبين،
وأرسله بأبهة وحمّله هدايا كبيرة ونفيسة لوالده. وحينما تولى إدارة
الولاية الواسعة التي عُهدت إليه، خاف منه المسيحيون خوفاً شديداً،
ولما وصل قرداخ إلى داره في
أربيل مدينة الآثوريين، أقام عيداً كبيراً للآلهة وأكرم المجوس كثيراً،
ومنح معابد
النار هدايا نفيسة.
رأى
ذات ليلة في الحلم أن فارساً مدججاً بالسلاح وراكباً حصاناً قد وقف
فوقه. ثم لكزه
بطرف حربته وقال له: "يا قرداخ."
فأجابه: "هاأنذا." فقال له: "اعلم يقيناً أنك
ستموت أمام هذا الحصن شهيداً في سبيل المسيح." فقال له قرداخ:
"من أنت حتى
تفئلني بهذا؟" فقال له الطوباوي: "أنا سركيس خادم المسيح، ولما استيقظ
قرداخ من نومه،
تولاه خوف شديد، وقص الحلم على أمه وحدها. فقالت له أمه:
"حذارِ يا ابني
من أن
تسبّب المتاعب للمسيحيين، فإني أعلم حقاً أنهم يسجدون للإله الأوحد
الحقيقي.
وإلههم هو الذي أراك الحلم." إلا أن قرداخ لم يولِ هذا الحلم أهمية
كبيرة. وكان ثمة رجل طوباوي اسمه عبديشوع يسكون مغارة في جبل منطقة "بيث
بغاش"
،
وكان رجلاً فاضلاً ينعم برؤى إلهية. فقال له الرب في الرؤيا: "قم
وانحدر وأحضر
أمام المرزبان قرداخ، " فنهض الطوباوي عبديشوع وأخذ عصاه وحمل الإنجيل
في مزودة صغيرة ونزل
متوجهاً شطر أربيل، كما أمره الرب. وفي أحد الأيام، بينما كان قرداخ
خارجاً ليلعب
بالكرة في الميدان، التقاه عبديشوع وقطع طريقه واجتاز أمامه، فغضب
قرداخ : ثم أوعز إلى اثنين من
جنوده في لطم القديس عبديشوع على وجهه ثم عاد
قرداخ إلى بيته، و في اليوم التالي ركب حصانه ثانية وذهب إلى الميدان،
فاضطرم القديس عبديشوع بغيرة
إلهية ورفع يده ورسم علامة الصليب وقال:
"أيها الرب الإله
القدير، أظهر له مجدك
واكشف له عن قوتك ليعرف أنك أنت الإله الحق بينما كان قرداخ
يلعب بالكرة في الميدان التصقت بالأرض، ولم تتحرك من مكانها. و حاول
جميع جنوده قذفها لكن دون جدوى فتعجب
الجميع وقال احد الجنود رأيت ذلك
الرجل يرسم علامة تشبه صليب المسيحيين، وكانت شفتاه تتحركان وكأنه
يصلي شيئاً".
فعاد المرزبان إلى داره منذهلاً، وأمر بإحضار القديس عبديشوع
وسأله بعنف وقال له: "من أين أنت أيها الرجل؟ وما شأنك؟" فأجابه
الطوباوي:
"لقد
سمعت من والدي أنهما كانا من قرية حزة في منطقة الآثوريين. ولكونهم
مسيحيين، فقد
طردهم الوثنيون من هناك.
فذهبا وسكنا في قرية "ثمانون" من أعمال منطقة قردو. أما
أنا فليس لي موضع إقامة خاص،
لإني سمعت من المسيح ربي الذي جاء وخلصنا بموته أنه
لم يكون له موضع
يسند إليه رأسه،
مع كونه سيد
السموات والأرض والملائكة والبشر
وهو الذي يدبّر كل شيء ويحفظ الكل بعنايته.
أما عملي فهو أن أرفع دوماً الحمد
والمجد والشكر إلى الله خالقنا ومدبرنا الذي أبدعنا على صورته ومثاله،
وخلصنا
بابنه الوحيد الذي اتخذ جسدنا وأولانا معرفة وإدراكاً لكي لا نحسب
الخلائق آلهة،
ولا نؤدي للخلائق التي هو أبدعها السجود الواجب له وحده،
كما تفعلون أنتم أيضا
الوثنيون الضالون." فغضب قرداخ وأمر بأن يُضرَب القديس على فمه.
وإذ كان عبديشوع
يتألم كثيراً، رفع عينيه إلى السماء وصلى إلى الله في قلبه لكي يحقق ما
قاله له في
الرؤيا. فقال له قرداخ بحدة:
"لماذا تدعونا
ساجدين للخلائق، أيها الشيخ الجاهل؟"
فسكت الطوباوي ولم يحر جواباً. فقال له قرداخ: "لِمَ لا تجاوبني؟
ألا تعلم أن
موتك وحياتك منوطان بي؟" فقال له عبديشوع: "أظن يا سيدي أن من يضربونه
على فمه
يعلمونه بذلك أنه لا يحق له الكلام،
ولذا لم أرد الجواب على سيادتك. أما قولك أن
موتي وحياتي منوطان بك فليس صحيحاً. فإن لك السلطة على قتل الجسد،
وهذا لا
نعتبره موتاً نحن عبيد المسيح والساجدين للصليب، بل نحسبه حياة حقيقية
خالدة. ولكنك
لست مسلطاً على نفسي وعلى حياتي في المسيح.
وقد أوصانا الرب وقال لنا في إنجيله:
"لا تخافوا من
الذين يقتلون الجسد، فإنهم لا يستطيعون أن يقتلوا النفس،
بل خافوا
مني، فإني أستطيع أن أبيد النفس والجسد في جهنم" ، ولكن إذا كنت تريد
أن أكلمك،
فهدئ غضبك وأرح نفسك،
وأصغِ إلي بلطف ومر بألا يضربوني من بعد". فأقسم له قرداخ
وقال: "تكلّم بما شئت، فلن يضربك أحد." فقال له عبديشوع:
"أتسلم بأن من هو
أزلي
غير مخلوق هو الإله الحق؟".
ق- أجل إني أسلك
بذلك.
ع- أتعترف بأن كل
مخلوق
غير أزلي إنما هو خليق؟
ق- أجل إني أعترف
بذلك.
ع- أوَتعلم أنه
لا ينبغي
السجود للخلائق، وإن كل من يسجد للخلائق يُغيظ الله خالقها؟
ق- أجل أن ما
تقوله
هو الحق. ولكن قل
لي من الذي يسجد للخلائق؟
ع- أنت وجميع
رفاقك الوثنيين تسجدون
للخلائق.
ق- إن بيّنت لي
إني أسجد للخلائق وأغيظ الله. فإني سأذعن لك بفرح وأتبع
تعليمك وأقر بفضلك العظيم.
أما إن لم تبرهن لي عن ذلك، فاعلم أنك قد أهنتني
إهانة جسيمة.
ع- ألا تسجد
للشمس والقمر والنار والماء والهواء والأرض وتدعوهما
آلهة وآلهات؟
ق- بلى، إني أسجد
لها لكونها أزلية وغير مخلوقة.
ع- ومن أين
علمتم أن النيرات أزلية وعير مخلوقة؟
ق- من مدارها
الدائم ومن عدم تغيير طبيعتها
ومن كونها مرتكزة في العلى.
ع- إن الخصائص
التي ذكرتها عن النيرات، إنما قد
نالتها من خالقها الذي إليه يعود المجد لا إليها.
أما كونها غير أزلية فهو واضح
لكونها عديمة الحياة. وإن قلت إنها حية، فحا هي حياتها؟ أهي الحياة
الحيوانية أم
الحياة الناطقة؟
وإذا كانت لها حياة حيوانات، فلماذا لا تقتات مثل الحيوانات،
وإذ كانت ناطقة وعاقلة،
فلماذا لا تهدأ وتستريح من مسيرتها في زمان الحر الشديد.
فلو كانت الشمس ناطقة، لخففت في الشتاء من شدة البرد ومن لهيب الحر في
الصيف،
ولوزعت حرارتها باعتدال في جميع الأمكنة، ولتعبت وتألمت من مسيرتها
الدائمة.
فإن كل حي منظور ومتحرك من ذاته يتعب أيضاً. وكل ما ليس حياً ولا يتعب
فإنما آخر يحركه.
فالحجر والسهم والعَجَلة تستقي حركتها من آخر، ولذا فهي لا
تتعب لأنها ليست حية. أما الطير والحيوانات فتتحرك من ذاتها، فهي تتعب
لأنها
حية.
فإذا كانت النيرات وعناصر الطبيعة تتحرك من ذاتها فهي حتماً تتعب
وتتألم
لأنها منظورة.
ولكونها لا تتحرك من ذاتها، لأنها صماء لا نفس لها، فهي إذن لا
تتعب، بل تتحرك بقوة الآخرين،
مثل الحجر والسهم والعجلة. فالنيرات والعناصر
تتحرك بقوة الله، والحجر والسهم والعجلة تتحرك بقوتنا".
ق- ولماذا إذن
لهذه
النيرات حركة دائمة ونور وقوة لا تخضع للتغيير والفساد أكثر من الأمور
الأرضية؟
ع- لأنها في
العالم كأعضاء رئيسية في الجسم، مثل الدماغ والقلب والكبد.
فإذا انتزعت من الجسم شعرة أو ظفر أو سن، فإن تلك خسارة جزئية.
إما إذا انتزع
الدماغ أو القلب أو الكبد، فينتج من ذلك فقدان الحياة كلها. هكذا إذ
أباد أحد
الأجزاء الصغيرة المكونة للعالم، كالحيوانات والزروع، فهي خسارة جزئية.
أما لو
ترك الخالق النيرات تبيد، فلكان ذلك فساد للعالم كله. فإن النيرات رباط
جسم العالم
كله،
وهي بمثابة أعضاء رئيسية فيه، وبمثابة عينيه ودماغه، ومنها تأتي
الحرارة
إلى الأجسام والنباتات، ونظام الأزمنة وترتيب السنين والشهور والأسابيع
والأيام.
إلا أنها لا تمتلك هذه الخواص بذاتها، بل نالتها من قوة خالقها وحكمته،
في حين أنها هي
ذاتها لا حياة لها ولا شعور..
ولهذا فإن النيرات ليست أزلية، بل
مخلوقة وعديمة الحياة والشعور، ومن يسجد لها إنما يغيظ الله خالقها.
وكذا الشأن مع
العناصر، أي الأرض والماء والنار والهواء.
فهي أيضاً مخلوقة وعديمة الحياة
والشعور. وكيف ندعو أزلية تلك العناصر التي كل منها يبطل وينقض الآخر.
فالماء
ينقض الأرض ويغمرها ويجرفها، والأرض تبتلع المياه التي تغور في جوفها،
والهواء يأتي
على الماء ويحوّله إلى بخار،
والماء يطفئ النار ويخمدها، ويُحبس الهواء في الظرف
ويحترق بالنار ويمتزج بالروائح الكريهة. وقصارى القول:
إن كلاً من هذه
العناصر
يبيد الآخر، وجميعها تنحل وتتغير وتحتاج إلى بعضها البعض. وكل محتاج
إنما هو مخلوق،
وكل ما ليس مخلوقاً فهو ليس محتاجاً.
وبديهي أن العناصر يحتاج بعضها إلى بعض
لفائدة الجميع. فالأرض بحاجة إلى الماء لتنمية الزروع، والماء يحتاج
إلى الهواء
ليرفعه ويضخه،
ولا فاعلية للنار دون الحطب الذي ينمو بقوة الأرض والماء والهواء.
فالعناصر كلها إذن محتاجة، ومن ثمة فهي مخلوقة.
وإن الأزلي حي ناطق، في حين أن
العناصر عديمة الحياة والنطق والشعور. فإن للنباتات والحيوانات حياه:
فالنباتات
تنمو وتزهر، والحيوانات تتحرك وتنتقل وتستخدم حواسها. أما العناصر فلا
شيء لها من
ذلك، بل هي صماء كالحجارة.
ومن ثمة فإن من يسجد لها ويحسبها أزلية فهو بذلك يغضب
الله. فبحق إذن دعوتكم ساجدين للخلائق وبعيدين عن الله."
لما سمع المرزبان هذه
الأقوال احتدم غيظاً وعماه الضلال لئلا يذعن لأقوال الطوباوي.
فأمر بربط القديس
عبديشوع بسلاسل قاسية وبزجّه في غرفة مظلمة، وبعدم إعطائه كل مساء سوى
قليل من
الخبز دون ماء.
أما القديس فكان فرحاً متهللاً وهو يقول: "الرب عوني، فلا أخاف،
فماذا يفعل بي الإنسان؟".
وفي اليوم التالي خرج المرزبان إلى الصيد. وما أن رمى
سهماً حتى سقط السهم عند قدميه. وحدث الأمر عينه للجنود الذين معه.
وأعادوا
الكرة مرات عديدة، إلا أن الهواء أبى أن يحمل السهام التي كانوا
يرمونها. فاعتراهم
خوف شديد، وقال المرزبان
لمرافقيه:
أظن أن الشيخ الذي
قيدناه هو ولي الله،
فجرت هذه الأعجوبة بصلواته لأننا أسخطناه." فعاد تواً إلى منزله وبات
في حزن عميق
لا يأكل ولا
يشرب،
وقد عزم على إطلاق سراح الطوباوي عبديشوع في الغد. وفي منتصف
الليل، امتلأ المنزل الذي كان عبديشوع مسجوناً فيه نوراً ساطعاً مجيداً.
وتراءى
له جميع غفير من
الملائكة، وهم يسبحون بصوت عالٍ ويقولون: "صرخ الصدّيقون والرب
سمعهم وأنقذهم،
والرب قريب من الذين يدعوه بالصدق، وهو يحقق رغبة عباده. إنه
يسمع طلبهم ويخلصهم.."
وكان الطوباوي عبديشوع يتلو المزامير معهم فرحاً. واستحوذ
خوف شديد على جميع المجاورين للمنزل.
وإذا بالأبواب جميعها تنفتح، ولمس ملاك
الرب سلاسل الطوباوي فسقطت من يديه ورجليه. وأمسكه بيده وأخرجه من سجنه.
ولما
قاده خارج السجن ترك يده وقال له: "اتبعني" وكان الملاك يتقدمه بثياب
متلألئة حتى
أوصله إلى مغارته، ثم تركه هناك واختفى.
وفي الغد، أمر المرزبان بحل وثاق القديس
وبإحضاره أمامه. ولما فتحوا باب سجنه ودخلوا وجدوا السلاسل ملقاة على
حدة،
ورائحة بخور فاخرة تفوح من البيت. وبحثوا عن الطوباوي، فلم يجدوه.
فانذهلوا
واعتراهم الخوف.
وأسرعوا إلى المرزبان وأخبروه بالأمر. ولما سمع المرزبان ذلك،
استحوذ عليه الخوف والحزن، وأخذ يلطم وجهه ويبكي بكاء مراً ويقول:
"الويل لي،
الويل لي، الويل لي، فإني عذبت رجل الله. حقاً أن إله المسيحيين لعظيم.
إنه
الإله الحق الذي خلق السماء والأرض وكل ما فيهما، ولا إله آخر سواه".
في الحال
دخل غرفته ورسم على الجدار الشرقي علامة الصليب، وجثا على الأرض وشرع
يصلي أمامه
ويقول:
"أيها المسيح إله
المسيحيين، استجبني ولا ترذلني، وأهّلني لكي أحصى في
عداد الساجدين لك وأنال الوسم المقدس.
فإني أؤمن وأعترف بأنك أنت الإله الحق،
كما يعترف ويعلّم المسيحيون. وإذا كان إنساناً ذاك الذي ظهر لي بشكل
إنسان وتكلم
معي باسمك،
وأنا بجهلي أسخطه، فأهّلني يا سيدي لكي أراه ثانية وأستغفره عن
جهالتي، فأبلغ بوساطته إلى معرفتك والانتماء إليك.
وإذا كان الذي ظهر لي أحد
ملائكتك، فليظهر لي ثانية وليعلمني ما يجب علّي فعله." وما أن ختم
صلاته بعلامة
الصليب، حتى سمع صوتاً لذيذاً عذباً يقول له:
"كل من يسأل
يأخذ، ومن يطلب يجد،
ومن يقرع يُفتح له" . فغمرته التعزية والفرح لدى سماعه ذلك الصوت وطابت
نفسه وأخذ
يمجد لله.
ثم خرج وجلس على
سريره وتناول طعاماً واستعاد نشاطه. فأخذ العجب كل
مأخذ من المجوسي الذي كان يعزّم عليه عند الطعام، ومن امرأة المرزبان
وأهل داره،
كيف أن يتناول الطعام دون تعزيم.
بيد أن أحداً لم يتجاسر فيسأله، لأنه كان
عنيفاً صارماً تجاه أهل داره.
وبعد ثلاثة أيام، ظهر له القديس عبديشوع ليلاً
فرحاً مبتهجاً وقال له: "يا ابني قرداخ، إن شئت أن تراني، هلم إلى
المغارة الفلانية
وهناك تجدني."
ولما استيقظ من نومه، ابتهج كثيراً وطابت نفسه. وعند الصباح قام
مسروراً وغيّر ثيابه متنكراً، وأخذ معه اثنين من عبيده الأمناء، وقد
نالا معه نعمة
العماد بعد ذلك.
وامتطى صهوة جواده وسار شطر منطقة بيث بغاش، قاصداً الجبل الذي
كان عبديشوع يسكن فيه، حسبما حدده له في الرؤيا.
ولما ابتعد عن قصره مسافة أيام،
التقاه الشيطان بزي رجل شيخ وهو غاضب وحزين ويعّض لحيته بأسنانه ويقول
لقرداخ:
"إلى أين أنت
ذاهب أيها الكذاب التعس؟ لماذا خدعتني وتخلّيت عني وتبعت
ذلك الشيخ اللعين تلميذ يسوع الذي صلبه رفاقنا اليهود في أورشليم ومات؟
فإني قد
أقسمت بأن أثير عليك الملك وعظماء فارس كلهم، وأسفك دمك مثل دم اللصوص
والأشرار."
ولما سمع أحد عَبدَي قرداخ هذا الكلام، قال لسيده: "أستل سيفي وأقطع
رأس هذا الشيخ الكلب الذي تجاسر فأهان سيدنا؟" فقال له سيده:
"دعه، فإن السيف
لا
يعمل فيه. إنما ربنا يسوع المسيح الذي آمنت به هو الذي يفنيه ويقضي
عليه لدى مجيئه.
فإني هكذا سمعت عنه من المسيحيين."
وفهم قرداخ أنه الشيطان، وقد تراءى له بشكل
إنسان. فبصق عليه في الحال وقال له:
"ليزجرك المسيح
ربي الذي بنعمته خلّصني من
ظلام الضلال، ودعاني إلى نور معرفته العظيم." ثم رسم إشارة الصليب على
ذاته.
وما
أن سمع الشيطان
اسم المسيح، حتى تغير وصار مثل حية سوداء ولت الأدبار واختنقت في شق
صخرة هناك.
واستأنف قرداخ سيره مبتهجاً وهو يمجد الله. وفي إحدى مراحل سفره،
بينما كان نائماً، ظهر له القديس سركيس في الحالم وقال له:
"يا أخي قرداخ،
لقد
ابتدأت حسناً. فجاهد ببسالة لتصبح لي أخاً إلى الأبد. وهاأنذا أكون معك
وأساعدك إلى
أن تنال إكليل
الشهادة."
وفي اليوم الآخر عند العصر، وقد أوشك قرداخ أن يبلغ
الجبل الذي يسكنه مار عبديشوع، ظهر ملاك الرب لعبديشوع وقال له:
"قم اخرج إلى
لقاء المرزبان قرداخ واستقبله ببشاشة، لأني قد اخترته، يقول الرب،
وهولي، وهو مزمع
أن يقاسي آلاماً
كثيرة في سبيلي."
فقام القديس عبديشوع فرحاً وأخذ عصاه وضم
بيسراه كتاب الإنجيل المقدس وسار مرتلاً: "إن حامل الزرع يذهب ذهاباً
ويبكي، أما
حامل الحزم فيأتي فرحاُ"
.
ولما لمح قرداخ من بعيد، قال له مبتهجاً: "ما أضعف
قيودك، يا سيدي المرزبان! فإنها لا تُحسب شيئاً عندنا نحن الموثقين
بالروح القدس
والسائرين شطر السماء.
ولكن هكذا يستقبل عظماء العالم ورؤساؤه أولئك الغرباء
الذين يقصدونهم." فأجاب قرداخ بفرح عظيم وقال له:
وإن كنا قد أسرناك في ضلالنا،
فإنك قد حررتنا من قيود الوثنية واجتذبتنا لكي نأتي ونستغفرك.
وأنت كالأب الرحوم
تلتمس من الرب المغفرة لكل ما ارتكبناه أمامه من الآثام."
قال هذا ونزل حالاً من
حصانه وانطرح باكياً عند قدمي القديس عبديشوع وأخذ يقول له:
"اغفر لي يا سيدي
عبد الله، وابتهل إلى المسيح ربي لكي يؤهلني لأنهي شوطي في محبته."
فأمسكه الطوباوي
بيده وقال له:
"قم"، ثم قبّله
وقال له: "هلم بسلام يا ابني الذي ولدته في قيودي،
فالرب يسوع المسيح ينتظرك، وملائكته القديسون يفرحون بك".
حينئذ اقتاد الخادمان
حصان سيدهما إلى دير في لحف الجبل، وقد تلقيا أمراً بألا يقولا من هو
صاحبه.
أما
عبديشوع والمرزبان فقد صعدا إلى مغارة القديس. ولما حان وقت الصلاة قام
عبديشوع
ليؤدي صلاة المساء،
وكان قرداخ واقفاً بجانبه، وقد تولاه الخوف والفرح. وإذا
بزمرة بشعة من الشياطين يظهرون في الكهف فوقهما وهم يرقصون ويصفقون
ويصحكون
قائلين:
"ما أجمل الوزير
والمرزبان وقد ترك بيته ومجده وسلطته وعظمته، وهو يبيت
صائماً في المغاور لدى أناس ضالين يسكنون الكهوف!"
أما الطوباوي عبديشوع، فلم
يكف عن صلاته، بل أوعز إلى قرداخ في أن يردّ عليهم جواباً مناسباً.
فقال لهم
قرداخ:
"مع كونكم كذابين
ومصدر الكذب، فقد نطقتم الآن بالحق. أجل، ما أجمل
للوزير والمرزبان أن يتنعم بقوت روحي فيه حياة حقيقية،
مع أناس قديسين
انتصروا
بجهودهم على مكائدكم الخبيثة، فتركوا الأرض وبادروا إلى السماء.
فحينما كنت
أتنعم بالموائد الدسمة وبالخمور الفاخرة، حسب رغبتكم الدنسة، كنت
محروماً من مائدة
الحياة في المسيح، وبعيداً عن الله،
وكنت رفيقاً لكم أنتم أبناء الظلمة
والمتمردين والمعذبين للعذاب الدائم. أما اليوم، وقد أهّلني المسيح ربي
لنور
معرفته،
فإني الآن أتنعم بمائدة تعليمه الروحي المقدس. فاذهبوا عني أيها
الدنسون
إلى الظلم